أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

228

التوحيد

مسألة [ في ذمّ القدريّة ] قال الشيخ رحمه اللّه : أجمع أهل الكلام على ذم اسم القدرية ، وتبرأ كل منهم عنه . وقد روي في ذلك عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ما يمكن السبيل إلى معرفة من له حقيقة هذا الاسم وهو قوله : " القدرية مجوس هذه الأمة " « 1 » . ومعلوم أنه أراد به ذم أهلها ، بمعنى شاركوا فيه المجوس فيما خالف به المجوس أهل الأديان من القول ، لا بد من تأمل ذلك ؛ ليظهر حقيقة أهل هذا الاسم ، ولا قوة إلّا باللّه . وكان الأصل الذي ذم به المجوس مما خالفوا به أهل الأديان من أوجه : أحدها أنهم قالوا : كان اللّه واحدا لا شريك له ثم حدثت منه فكرة ردية ، إما لما أصابته عينه ، أو لما ظن أن يكون له عدوا ينازعه ، فإذا إبليس حدث من تلك الفكرة الردية ، فخلق هو شر العالم ، واللّه خيره ، من غير أن كان للّه قدرة على خلق شيء من الشر والفساد ونحو ذلك ، أو لإبليس قدرة على خلق شيء من الخير والصلاح فقام العالم بهما ، وبهذا كله خالفوا به أهل الأديان . ومعلوم أن هذا كله أوصاف ذم ونعوت شين . ثم للمعتزلة عن كل صفة من هذه الصفات نصيب ؛ فلذلك لقبوا باسم القدرية ، ولا قوة إلّا باللّه . ووجه ذلك أن المعتزلة زعمت أن اللّه تعالى كان ولا شيء غيره ، ثم حدثت الإرادة من غير أن كان من اللّه بحدوثها إرادة أو اختيار منه إليها معنى سوى أن كانت ، فكان بها جميع العالم ؛ إذ من قولهم : إن العالم فعل اللّه ، وإنه كان باختيار ، وإن الاختيار إرادة كقوله : فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ [ هود : 107 ، البروج : 16 ] ، فسمت المعتزلة تلك الحادثة إرادة ، والمجوس فكرة ، وهي واحدة ، بينهما اختلاف في الاسم لا الحقيقة . ثم جعلت المجوس بها يصف العالم ، والمعتزلة كل العالم ، فيكونان في الحاصل تحت قول ذميم ، والمعتزلة زائدة . ثم المعتزلة تجعل العالم باللّه وبالأجسام من غير أن كان ذلك من اللّه ، من الاجتماع والتفرق والحركة والسكون وجميع المتولدات مما عن الخلق مفصولا أو بائنا ، وكذلك جميع العالم عند المجوس من الخير والشر ، بل المجوس ينسبون كثيرا من الجواهر إلى إبليس ، لا تقدر المعتزلة

--> ( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه .